إضــــاءة

المنهجية في فقه المعاملات

ومن جعل يخرّج الفروع بالمناسبات الجزئية دون القواعد الكلية تناقَضَت عليه الفروع واختلفت، وتزلزلت فيها خواطرُه واضطربت، ...، واحتاج إلى حفظ الجزئيات التي لا تتناهى، وانتهى العمر ولم تقض نفسُه من طلب مناها. ومن ضبط الفقه بقواعده استغنى عن حفظ أكثر الجزئيات لاندراجها في الكليات، واتحد عنده ما تناقض عند غيره وتناسب، وأجاب الشاسع البعيد وتقارب. ... فبين المقامين شأوٌ بعيد وتفاوتٌ شديد.

الإمام القرافي

الدكتور / سامي بن إبراهيم السويلم

نائب مدير المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب

السيرة الذاتية

لتصفح الأبحاث باللغة الإنجليزية وتحميلها

اضغط هنا

المؤلفات والكتب

الفريضة الغائبة

بالرغم من ازدهار القطاع المالي الإسلامي في عدد من البلاد الإسلامية، لا تزال هناك فجوة كبيرة لم تجد من يتصدى لها. إنها القرض المجاني أو القرض الحسن. هذا النوع من التمويل فرض كفاية على المجتمع الإسلامي، ومع ذلك لم يقم به من يكفي حتى الآن. فهو فريضة غائبة عن ساحة الاقتصاد الإسلامي اليوم. وقد أجمع العلماء على أن أعمال البر والمعروف، كإطعام الجائع وسقي العطشان وإغاثة الملهوف وفك الأسير ونحوها، فرض كفاية على المسلمين.[1] ومعنى كونها فرضاً على الكفاية أنه إذا قام بها من يكفي من المسلمين سقطت عن الباقين، وإلا أثم الجميع. فهي واجب على المجموع وإن لم تكن فرض عين على كل أحد. ويدل لذلك قوله تعالى: ﴿كلا بل لا تكرمون اليتيم ولا تحاضون على طعام المسكين﴾ وقوله ﴿إنه كان لا يؤمن بالله العظيم ولا يحض على طعام المسكين﴾، حيث أنكر على المشركين عدم تعاونهم على أعمال المعروف والتكافل الاجتماعي، فدل على وجوب التعاون على ذلك، وهذا هو معنى فرض الكفاية، وهو داخل في عموم قوله تعالى: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى﴾. ولا ريب أن القرض المجاني يدخل في أعمال المعروف، بل هو أولى، لأن المقرض يسترد رأسماله، أما في الأعمال الأخرى فالمنفق لا يسترد شيئاً. فيكون وجوبه على الكفاية آكد وأظهر. كما أن التحريم القاطع للربا يستلزم تشوف الشارع وحرصه على القرض المجاني وسائر صور المعروف، وهذا يؤكد وجوبه على الكفاية على أقل تقدير. أهمية القطاع غير الربحي وهذا الوجوب يرجع إلى أهمية القطاع غير الربحي في النشاط الاقتصادي. فالنشاط الاقتصادي يقوم على دعامتين، لا يمكن أن يستغني بإحداهما عن الأخرى: النشاط الربحي، والنشاط غير الربحي، ولا يوجد اقتصاد على وجه الأرض يقتصر على أحدهما. فالدول الرأسمالية تملك الكثير من البرامج والأنشطة، سواء الحكومية أو الخاصة، التي لا تهدف للربح، سواء في مجال التمويل أو التعليم أو الصحة أو غيرها. وقد أدركت هذه الدول هذه الحقيقة خاصة بعد أزمة الكساد الكبير في الثلاثينيات من القرن الماضي، مما جعلها تتخلى عن الاعتماد شبه الكلي على آلية السوق والنشاط الربحي لإدارة دفة الاقتصاد. أما الدول الاشتراكية فقد اكتشفت بالتجربة أن الاعتماد شبه الكلي على الجانب غير الربحي لا يمكن أن يحقق الازدهار الاقتصادي للبلاد. فالواقع والتاريخ من أقوى الشواهد على أن الاقتصاد لا يمكن أن يقتصر على النشاط الربحي وحده، ولا على النشاط غير الربحي وحده. بل لا بد من الأمرين معاً. وفي حين لا تملك الأنظمة المعاصرة تصوراً واضحاً حول حدود العلاقة بين هذين الجانبين، فإن الاقتصاد الإسلامي يقدم رؤية مفصلة تحدد متى يبدأ النشاط الربحي ومتى ينتهي، ومتى يبدأ النشاط غير الربحي ومتى ينتهي، وهو ما يتمثل في وجوب الزكاة والنفقات وأعمال المعروف، وفي تحريم الربا والميسر وفي سائر الأحكام التفصيلية للمعاملات المالية. ولهذا أجمع العلماء على أن بعض التصرفات المالية لا تقبل المعاوضة، كالقرض والكفالة والضمان وإنظار المعسر. فالمعاوضة على هذه الأعمال، مع كونها تؤدي إما إلى الربا أو إلى الغرر، فهي تنافي مقصد الشرع من إبقاء باب المعروف مُشْرَعاً، والمحافظة على مساحة النشاط غير الربحي واسعة رحبة، ومنع حافز الربح من تجاوز دائرته والاستيلاء على النشاط الاقتصادي بأكمله. ترتيب الأولويات ومع أهمية القطاعين، الربحي وغير الربحي، إلا أن الأولوية في البناء الاقتصادي هي للقطاع غير الربحي. ولذلك جاء الأمر بالزكاة والصدقات والمعروف سابقاً على تحريم الربا بمدة، حيث تأخر النص الصريح بمنعه إلى غزوة أحد في السنة الثالثة للهجرة. أما النصوص الآمرة بالبر والمعروف والإحسان، فكانت تتوالى منذ بدء البعثة. وحكمة تقديم الأمر بالزكاة والمعروف على تحريم الربا تظهر من خلال فهم مشكلة الربا وأسباب وجوده. فالربا ينشأ من جهتين: حاجة المقترض، وشح المقرض. فالحاجة من جهة الطلب، والشح من جهة العرض. فجاءت نصوص الشرع الحكيم بمعالجة الأمرين من خلال الأمر بالزكاة والصدقات والعطف على المسكين واليتيم ونحوها من صور التكافل الاجتماعي. فهذه الأعمال تغني المحتاج أو تخفف من عوزه، وفي الوقت نفسه تربي صاحب المال على السخاء والبذل وتستل جذور الشح والبخل من قلبه. وبذلك تعمل على استئصال الربا من الجهتين. وهذا بطبيعة الحال يأخذ وقتاً ولا يتم بين عشية وضحاها، ولهذا تأخر تحريم الربا الصريح نحواً من عشر سنين. فلما نزلت آية تحريم الربا كانت البيئة النفسية والاجتماعية مهيأة وجاهزة لاستقبال الحكم وامتثاله على أكمل وجه. وهذا يبين تكامل النظام الإسلامي وترابط أجزائه. كما يبين خطأ التركيز على جانب وإهمال الآخر. وهذا هو الحاصل الآن للأسف، حيث يتم التركيز على مؤسسات التمويل الإسلامي الربحية، مع إهمال كبير للمؤسسات غير الربحية، ومن أهمها مؤسسات الزكاة والقرض المجاني. فمحاولة إزالة الربا دون تفعيل مؤسسات التمويل غير الربحي يؤدي إلى خلل جوهري في مسيرة التمويل الإسلامي، على مستوى الفهم والتنظير، وعلى المستوى الممارسة والتطبيق. الوظيفة الاقتصادية للقطاع غير الربحي وليتضح مقدار الخلل الناتج عن إهمال التمويل غير الربحي، دعنا نسأل: ماذا يحدث إذا وجد التمويل الربحي، مثل البيع الآجل ونحوه، قبل معالجة مشكلة الفقر وقبل معالجة التفاوت الفاحش في توزيع الثروة؟ الجواب ليس عسيراً، فالتمويل سيتجه تلقائياً لمحاولة سد الفجوة بين الفقراء والأغنياء، ورغبة الفقراء في اللحاق بالأغنياء. وحيث أن معظم التمويل يتم من خلال المداينات، فإن هذا سيؤدي إلى تحويل قطاع كبير من المجتمع إلى خانة المدينين لأصحاب الأموال. وحيث أن التمويل ربحي وليس مجانياً، فإنه سيزيد من ثروة أصحاب الأموال ويؤدي من ثم إلى زيادة الفجوة في توزيع الثروة بدلاً من تضييقها. وهذا بدوره يستلزم دورة جديدة من التمويل، التي تعمل هي أيضاً على زيادة الفجوة، وهكذا. وبذلك تزداد الفجوة اتساعاً، ويتضاعف مستوى المديونية. وحيث إن معظم التمويل يتجه لأغراض استهلاكية، فإن ارتفاع معدلات المديونية قد تؤدي إلى تراجع النمو والتوظيف. ولكن المشكلة لا تقف عند هذا الحد. فنظراً لأن التمويل الإسلامي بطبيعته لا يسمح بالتوسع في المديونية بل يقيدها دائماً بالنشاط الحقيقي، وحيث إن هذه الدوامة في التمويل الاستهلاكي لا تقبل التوقف عند حد، فإنها ستؤدي إلى محاولة الالتفاف على الضوابط الشرعية للتمويل من أجل الحصول على السيولة وجدولة الديون، لتصبح النتيجة في النهاية لا تختلف عن التمويل الربوي. وهذا ما يؤدي بدوره إلى جعل الحيل والأساليب الصورية في التمويل، التي لا تختلف في جوهرها عن الربا، جزءً أساسياً من الحياة الاقتصادية. وهكذا نجد أن غياب الدور الفاعل لمؤسسات التمويل غير الربحي يؤدي إلى سلسلة من الأخطاء في الاجتهاد وفي التطبيق. فهو يفرغ التمويل الإسلامي من مضمونه، كما يجعل الحيل الربوية تظهر كأنها ضرورة لا يمكن الفكاك منها، مع أنها في واقع الأمر لا تزيد المشكلة إلا سوءً. وأصبح هذا الواقع العليل، مع اتهام الناس بالشح والضن بالمال، سنداً للفتاوى بجواز الحيل أصالة واختياراً، لا استثناء واضطراراً. وهذه الفتاوى بدورها رسخت الانحراف عن أهداف الاقتصاد الإسلامي ومبادئه، لتنشأ دوامة أخرى تعزز دوامة المديونية وتُنظـّر لها. وحقيقة الأمر أن المسلمين يحبون الخير والبذل والعطاء، ويملكون من روح المواساة والتكافل ما لا يوجد عند غيرهم من الأمم، ومن ظن فيهم خلاف ذلك فهو حري بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من قال هلك الناس فهو أهلكهم". وإنما المشكلة في غياب المؤسسات التي تحول هذه الميول النبيلة من رغبات كامنة إلى واقع قائم ونمط اجتماعي راسخ. فالمؤسسات غير الربحية هي الأساس في بناء الاقتصاد الإسلامي. وإذا اختل الأساس اختل البناء ولا بد، وأصبح التمويل الإسلامي من ثم عاجزاً عن تحقيق أهدافه. وأياً كانت الأسباب التاريخية التي أدت إلى تراجع هذه المؤسسات، فمن الخطأ الاستسلام لهذا الواقع فضلاً عن محاولة التنظير له من خلال تسويغ الحيل الربوية. بل يجب المبادرة لإحياء مؤسسات الزكاة والقرض الحسن وسائر الأنشطة غير الربحية، وتفعيلها ووضعها في المستوى اللائق بها. القرض الحسن والتورق المنظم ووجوب القرض الحسن على الكفاية من أقوى الأدلة على تحريم الحيل الربوية إذا تحولت إلى عمل منظم ومؤسسي. وذلك أن الحيل الربوية وسيلة للاقتراض بربح من خلال الشراء والبيع. وقد أكد الفقهاء منذ القدم على الأثر السلبي لهذه الحيل في سد أبواب المعروف والقرض المجاني خصوصاً. والقرض المجاني قد لا يكون واجباً على كل شخص بعينه، لكنه واجب على المجموع وجوب كفاية، بلا خلاف بين العلماء كما سبق. فإذا تحولت الحيل الربوية من عمل فردي إلى عمل مؤسسي ومنهجي، أصبحت نمطاً اجتماعياً يهدد القرض المجاني على مستوى المجتمع، وتنافي من ثم وجوبه الكفائي، ولهذا تكون محرمة. ومن هنا يتبين حكمة تفريق العلماء رحمة الله عليهم، بين أهل العينة وغيرهم. فكانوا يتسامحون في بعض صور الحيل إذا لم تكن مع أهل العينة، ويمنعونها إذا كانت مع أهل العينة. السبب هو خشية هؤلاء العلماء أن تتحول هذه الحيل من رخص استثنائية تخفف من ضائقة فردية، إلى عمل مؤسسي على مستوى المجتمع يقضي على الوجوب الكفائي للمعروف والبر، ومنه القرض الحسن. ومن هذا الباب يمكن فهم قرارات المجامع الفقهية التي صدرت بشأن التورق، مثل قرارات المجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم الإسلامي، ثم أخيراً قرار مجمع الفقه الإسلامي بمنظمة المؤتمر الإسلامي في 1430هـ. فقد نص قرار المجمع على جواز التورق الفردي وعدم جواز التورق المنظم والتورق العكسي. وكان القرار صريحاً في تعليل تحريم التورق المنظم والعكسي بأن "فيهما تواطؤاً بين الممول والمستورق، صراحة أو ضمناً أو عرفاً، تحايلاً لتحصيل النقد الحاضر بأكثر منه في الذمة، وهو ربا . "[2] وهذا التواطؤ هو الذي يحول العملية من عمل فردي تلقائي إلى عمل منظم مؤسسي، وهو ما ينافي وجوب القرض الحسن على الكفاية. وقد أكد الفقهاء في مناسبات مختلفة على الفرق بين الواجب بالجزء والواجب بالكل، وبين المحرم بالجزء والمحرم بالكل، فمن الأعمال ما يكون مغتفراً لفرد، لكن لا يجوز أن يتحول إلى نمط اجتماعي سائد. وهذا أصدق ما يكون في حق الحيل. فهي على أحسن أحوالها رخص ومخارج استثنائية، لكن من غير المقبول أن يصبح الاقتصاد الإسلامي في الدول الإسلامية قائماً على هذه الحيل، فهذا تشويه للإسلام وصدٌ عن سبيل الله، فضلاً عن منافاته لأحكام الشريعة الإسلامية الخاصة بهذه التعاملات. القرض المجاني والاستقرار المالي كشفت الأزمة المالية عن الدوري الحيوي الذي يقوم به القرض المجاني، حيث تسابقت البنوك المركزية والحكومات في تقديم قروض بفوائد لا تختلف عملياً عن الصفر. فالقرض المجاني أصبح ضرورة للحفاظ على الاستقرار المالي للمجتمع، وليس مجرد وسيلة للدعم والإعانة للبعض. وهذا يتفق مع موقف الشريعة الإسلامية من كونه فرضاً على الكفاية، فهو أداة ضرورية على مستوى المجتمع، وإن لم تكن كذلك في حق كل فرد بعينه. لكن الخطأ الذي وقعت فيه هذه الأنظمة هو أنها قدمت نسبة كبيرة من هذه القروض المجانية للجهات الأقل حاجة لها، وهي كبرى المؤسسات المالية، والأسوأ من ذلك أنها كانت سبباً في حصول الكارثة ابتداء. فالواجب هو توجيه الدعم والقروض المجانية لضحايا الكارثة، خاصة المؤسسات والأعمال الصغيرة والمتوسطة، الذين يمثلون القطاع الأكبر توظيفاً والأكثر دعماً لعجلة النمو في الاقتصاد، بدلاً من توجيه الدعم للأقلية التي لا تفيد المجتمع ولا تسهم في دعم عجلة النمو. ولكن هذا يحتم على المجتمع بناء مؤسسات وآليات متخصصة في القرض المجاني، ولا يترك الأمر لحين حصول الكوارث والأزمات. حوافز التمويل غير الربحي ونظراً لأهمية التمويل غير الربحي فقد قدمت الشريعة الإسلامية له الحوافز المختلفة، حيث اعتبرت القرض الحسن نوعاً من الصدقة، كما قال صلى الله عليه وسلم: "إن السلف يجري مجرى شطر الصدقة"، فهو داخل في وعد النبي صلى الله عليه وسلم: "ما نقص مال من صدقة" وقوله عليه السلام: "المؤمن في ظل صدقته يوم القيامة". فمن أقرض قرضاً فكأنه تصدق بنصف ما أقرضه. وهذا ما يجعل القرض الحسن مما يمكن أن يعفى من الزكاة. وذلك أن الفقهاء اختلفوا في حكم زكاة الدين المؤجل على الدائن. فالجمهور يرى وجوب الزكاة على الدائن، على خلاف بينهم في التفاصيل. وذهب بعض الصحابة والتابعين، ورجحه شيخ الإسلام ابن تيمية، إلى عدم وجوب الزكاة في الدين المؤجل على الدائن. ومن الممكن الجمع بين القولين بأن يكون الوجوب في الديون الربحية، أي التي نشأت عن بيع أو معاوضة بربح. أما الديون غير الربحية، كالتي تنشأ عن قرض بدون زيادة، فلا تجب فيها الزكاة . وهذا مع كونه يجمع بين القولين، فهو يناسب مقاصد التشريع وحكمته. فإن من يقرض ماله بلا مقابل فقد تصدق بمنفعة ماله للمقترض مدة الأجل، فناسب ألا تجب عليه الزكاة لئلا يقع الازدواج أو الثني في الزكاة. أما من باع بثمن مؤجل بزيادة فهو لم يتصدق بشئ فتجب عليه الزكاة. ويشهد لذلك أيضاً ما سبق من أن السلف يجري مجرى شطر الصدقة. وهذا يعني أن القرض الحسن يمكن أن يعفى من الزكاة، وهو نوع من الحوافز التي تشجع أصحاب الأموال على إقراضها للمحتاجين. تفعيل القرض الحسن ومن الممكن تفعيل القرض الحسن بأن تكون الجمعيات والهيئات والصناديق الخيرية هي المقترض من أصحاب الأموال، وهي التي تضمن السداد، على أن تقوم هذه الجمعيات باستثمار المال ثم التصدق بريعه أو إقراضه للمحتاجين بعد خصم التكاليف. وهذا يحقق لأصحاب الأموال الاطمئنان بضمان السداد نظراً لتنوع موارد هذه المؤسسات واتساع قاعدتها المالية، ويُغني أصحاب الأموال في الوقت نفسه عن تكاليف المتابعة لكل مقترض على حدة، كما يوفر مورداً للمحتاجين والراغبين في الاقتراض دون الوقوع في الربا أو التحايل عليه. ومن الممكن أيضاً أن تسهم الجهات الحكومية ذات الصلة، مثل وزارة الشؤون الاجتماعية، بتقديم ضمانات لأصحاب الأموال إذا أقرضوا أموالهم للجمعيات الخيرية أو لصندوق مكافحة الفقر، على أن تتصرف هذه الجمعيات في القروض وفق سياسة مالية محددة، تتضمن معايير الإقراض والملاءة المالية للمقترضين ونسب الاحتياط والتوظيف وما إلى ذلك. كما يمكن للبنوك الإسلامية أن تضرب بسهم في ذلك من خلال تقديم تسهيلات قصيرة الأجل مجانية للجمعيات الخيرية وصندوق الفقر بضمان هذه القروض. وبهذا تتضافر جهود المؤسسات العامة والخاصة لإحياء هذه الفريضة الإسلامية، وسد حاجات فئة مهمة وفاعلة في المجتمع، مما يقلل حجم المديونية ويعزز الطلب والتوظيف ومن ثم النمو والرخاء الاقتصادي. والحمد لله رب العالمين. [1] الفروع لابن مفلح 4/307، كشاف القناع للبهوتي 4/347، فقه الزكاة للقرضاوي 2/986. [2] القرار رقم 179 (5/19) بشأن التورق: حقيقته، أنواعه (الفقهي المعروف والمصرفي المنظم)، الدورة التاسعة عشرة، 1430هـ.

19 أكتوبر المزيد

ما هو أسوأ من الكارثة

أعلن بنك جولدمان ساكس صافي أرباحه للربع الثاني من هذا العام، حيث بلغت 3.44 مليار دولار، من أصل إجمالي إيرادات لنفس الفترة بلغ 6.8 مليار دولار. وهذا أعلى مستوى من الأرباح حققه البنك عبر تاريخه الذي يمتد لمدة 140 عاماً. وبهذه المناسبة أعلن البنك أنه سيخصص مبلغ 11.4 مليار دولار رواتب ومكافآت وحوافز للموظفين عن النصف الأول من عام 2009م، كما نقلت صحيفة نيويورك تايمز مؤخراً (14/07/2009). هذه الحوافز فاقت الحوافز التي كان يدفعها البنك حتى في أوج الفقاعة العقارية. وقد عبر عضو الكونجرس الأمريكي شيرود براون عن استيائه من هذا التصرف بقوله: "إن الناس في أنحاء البلاد يشعرون بالإحباط عندما يرون جيرانهم يفقدون وظائفهم في الوقت الذي تقدم فيه الحكومة الدعم لشركة AIG وبنك جولدمان ساكس، ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل يتعداه إلى أن تعلن هذه المؤسسات أرباحاً هائلة وحوافز ضخمة. أظن الناس في ذهول أن النظام يعمل بهذه الطريقة". بالتأكيد استطاع بنك جولدمان تحقيق عدة صفقات مربحة في الأسواق المالية، ونجح في زيادة رأسماله بعدة مليارات. لكن البنك لم يكن ليقف على قدميه بعد انهيار بنك ليمان برذرز وترنح شركة AIG لولا الدعم الحكومي: 13 مليار دولار تعويضات حكومية لعقود البنك مع شركة AIG ، 28 مليار قروض منخفضة التكلفة من خلال مؤسسة التأمين على الودائع FDIC ، فضلاً عن التسهيلات المباشرة من الاحتياطي الفدرالي بفوائد قريبة من الصفر، وهي تفاصيل غير معلنة. وهذه الأرباح التي حققها جولدمان ترجع إلى صفقات ووساطة في الأسواق المالية: السلع والعملات والسندات ونحوها، خاصة في ضعف وغياب المنافسين من البنوك الأخرى. لكن لا علاقة لها بالاقتصاد الحقيقي، بل العكس، حيث أرجع بعض المحللين ترقية التوصيات للتداول في أسهم جولدمان إلى حجم السندات الهائل الذي تصدره الحكومة الأمريكية، وما يمكن أن ينتفع به البنك من عمليات الإصدار والوساطة، كما نقلت وول ستريت جورنال (13/7/2009). الأغرب من ذلك هو موقف المسؤولين من سلبية البنوك تجاه الاقتصاد الحقيقي. في مقابلة مع مجلة التايم آخر شهر يونيو الماضي، سُئل وزير المالية الأمريكي تيم جايتنر: "نجحت عدة بنوك في رد قروض الحكومة الاتحادية (التابعة لبرنامج TARP )، لكن البنوك مع ذلك لا تقدم القروض للنشاط الاقتصادي بما يكفي؟" فأجاب: "عليك أن تتذكر أن الأزمة نشأت ابتداء لأسباب منها أن الأسر حول العالم تحملت الكثير من الديون. فالدَين في اقتصادنا ارتفع بنسبة غير عادية، ونحن الآن في كساد لأن الناس يجب أن يعودوا إلى نمط الحياة الذي يسمح به دخلهم. وهذا يعني أن عودة النشاط الاقتصادي ستأخذ وقتاً أطول من المعتاد". بعبارة أخرى، إن المجتمع الأمريكي غارق في الديون ومن ثم غير قادر على استيعاب المزيد من القروض، ولذلك لا نستغرب أن البنوك لا تقرض بالشكل المأمول. لكن إذا كان الحال كذلك لماذا الهلع لإنقاذ هذه البنوك ابتداء إذا كانت لن تقدم القروض كما ينبغي؟! لقد تبين الآن أن الدعم الحكومي لمن كانوا هم سبب الأزمة ابتداء لم يعُد على الاقتصاد بالنفع المنشود، وأن المجتمع يجب أن يدفع ثمن الإسراف في الديون، وفوق ذلك ثمن إنقاذ هذه البنوك التي أغرقته في هذه الديون! إن هذه النتائج أضر على النظم الرأسمالية من الكارثة نفسها، لأنها تبين عمق الخلل والظلم الذي تنطوي عليه، ومناقضتها لبداهة الفطرة والمنطق السليم. إن العالم اليوم بحاجة حقيقية للإنقاذ، ولا يوجد نظام مرشح لهذه المهمة غير الاقتصاد الإسلامي. فهل المؤسسات الإسلامية على مستوى المسؤولية؟ والحمد لله رب العالمين.

19 أكتوبر المزيد

المنطق الاقتصادي في القرآن الكريم

بالرغم من أن الاقتصاد علم يُعنى بالأمور الدنيوية والمالية، إلا أن القرآن الكريم قد استخدم المنطق الاقتصادي والمصطلحات الاقتصادية في أبعد الأمور عن الشؤون الدنيوية، وذلك في مجال الآخرة والجنة والنار والهداية والضلال، كما في قوله تعالى: ﴿أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين﴾، وقوله: ﴿أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون﴾، وقوله: ﴿من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له أضعافاً كثيرة﴾، وقوله: ﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة﴾، وقوله: ﴿إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سراً وعلانية يرجون تجارة لن تبور﴾، وقوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم؟ تؤمنون بالله ورسوله﴾ الآيات، وغيرها. وقد ورد في السنة كثير من النصوص بنفس المعنى، مثل قوله صلى الله عليه وسلم: "ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة"، وقوله عليه السلام: "إن من أربى الربا استطالة المرء في عرض أخيه"، وقوله: "أسوأ الناس سرقة الذي يسرق من صلاته"، وقوله: ‏"أتدرون من المفلس؟" قالوا المفلس فينا يا رسول الله من لا درهم له ولا متاع، فقال ‏صلى الله عليه وسلم: "‏المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاته وصيامه وزكاته، ويأتي قد شتم هذا ‏وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا، فيُعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن ‏‏يُقضى ما عليه أُخذ من خطاياهم فطُرحت عليه، ثم طُرح في النار"، وغيرها. وهذه النصوص من الكثرة والاطراد بما يترجح معه أن هذا الاستعمال ليس على سبيل الاستعارة أو التشبيه، بل هو على سبيل الحقيقة. والمعنى الذي يجمع بين الأمرين هو وجود التعارض بين المصالح المختلفة، مما يستلزم الموازنة والمفاضلة بينها. هذه الموازنة تقتضي في النهاية المبادلة بين المصلحتين المتعارضتين، وهذه المبادلة (trade off ) هي جوهر النظرية الاقتصادية. وإذا كان القرار الرشيد يستلزم الموازنة والمفاضلة بين المصالح المتعارضة، فالمنطق الاقتصادي يحدد عناصر المفاضلة ومعاييرها من أجل الوصول للنتيجة الأكثر رجحاناً. وهذا يبين تأكيد القرآن الكريم على عقلانية القرار الصحيح، بأن يكون على وفق الموازنة السليمة بين المصالح والمفاسد، أو بين المكاسب والخسائر، وليس على وفق الهوى أو التقليد الأعمى. ويلاحظ أن استخدام المنطق الاقتصادي يقتصر على المفاضلة في الحياة الدنيا. أما في الآخرة فلا يوجد ثمة بيع ولا شراء، كما قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة﴾. والسر والله أعلم هو طبيعة الآخرة التي تنتفي فيها القيود التي هي منشأ التعارض بين المصالح ابتداء، وفي هذه الحالة لا يوجد ما يستدعي المبادلة. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن في الجنة سوقاً، لكن ورد بأسانيد ضعيفة أن هذه السوق ليس فيها بيع ولا شراء، بل ما رغبه الواحد من أهل الجنة حصل له فوراً. وهذا يتفق مع سائر النصوص التي تبين انتفاء أي قيود على رغبات أهل الجنة، ومن ثم عدم الحاجة للتبادل أساساً. والحاصل أن القرآن الكريم وظف المنطق الاقتصادي لدعم القرار المتعلق بالموازنة بين مصالح الدنيا ومصالح الآخرة عند التعارض. وبذلك يكون القرآن قد رفع من شأن المنطق الاقتصادي أكثر بكثير مما تضعه فيه الرأسمالية المعاصرة. فالرأسمالية تحصر المنطق الاقتصادي في الأمور المادية الدنيوية، وتلغي أي اعتبار للقضايا الأخروية أو الأخلاقية، أو تجعلها على أحسن الأحوال تابعة للقضايا الدنيوية. وهذا يجعل دائرة المنطق الاقتصادي ضيقة من جهة، ومادية بحتة من جهة أخرى. أما القرآن فهو يحافظ على جوهر المنطق الاقتصادي السليم، لكنه يوسع نطاقه بما يشمل المصالح الدنيوية والأخروية. فهو بذلك يحترم المنطق الاقتصادي أكثر من الرأسمالية. والحمد لله رب العالمين.

19 أكتوبر المزيد

مؤسسة النقد والمسؤولية الاجتماعية

أصدرت مؤسسة النقد مؤخراً تعميماً على جميع البنوك بضرورة الالتزام بعدم تطبيق رسوم أو عمولات أيًا كانت مسمياتها على حسابات رواتب موظفي الدولة وحسابات مكافآت الطلاب. والتعميم صدر بعد أن فرضت كثير من البنوك، بما فيها البنوك الإسلامية، رسوماً بمسميات مختلفة على حسابات الرواتب والمكافآت، لكون مبالغها صغيرة، ويطلق عليها رسوم الحد الأدنى للرصيد ، وتصل الرسوم إلى ريالين ونصف أو عشرة ريالات، إذا قل الرصيد عن خمسة آلاف ريال، وأحيانا إذا قل الرصيد عن ألف ريال. *** لم تكن مؤسسة النقد بحاجة إلى "فتوى" لتقرر منع هذه الرسوم، فالمسألة أوضح وأبين من ذلك. فهي ظلم بيّن على أصحاب الحسابات المتدنية، وتحيز غير مقبول للحسابات الكبيرة. لكن لماذا لم يأت المنع من المصارف الإسلامية؟ هل يعقل أن تجيز الشريعة الإسلامية هذا الظلم؟ الجواب بالتأكيد هو النفي. فالرسوم على الحسابات الجارية تدخل في الربا الذي نص عليه حديث النبي صلى الله عليه وسلم: "الذهب بالذهب والفضة بالفضة ... يداً بيد، مثلاً بمثل، سواء بسواء، فمن زاد أو استزاد فقد أربى" متفق عليه. فالحساب الجاري من الناحية الفقهية قرض من العميل للمصرف، وهذا محل اتفاق. والقرض شرعاً من عقود الإرفاق، فإذا وجد في القرض شرط على وجه المعاوضة، لم يعد من باب التبرعات بل أصبح من باب المعاوضات، فينطبق عليه الحديث السابق. والحديث صريح بأن أي زيادة لأي من الطرفين فهي ربا، ولذلك قال عليه السلام: "فمن زاد أو استزاد"، فسواء كانت الزيادة من المقترض أو من المقرض، فهي ربا بنص الحديث. فليست الزيادة المحرمة هي التي يدفعها المقترض، بل أي زيادة على وجه الاشتراط لأي من الطرفين تجعل المعاملة معاوضة نقد بنقد مع التفاضل والتأخير، وهو ربا بالإجماع. أضف إلى ذلك أن الحساب الجاري، لما كان قرضاً من العميل للمصرف، فربحه وخسارته على المصرف عملاً بقاعدة الخراج بالضمان، وهو منطق العدل بين الحقوق والواجبات. لكن تحميل العميل تكاليف الحساب دون أن يكون له شئ من الربح مخالفة صريحة للقاعدة. فإن كان العميل سيتحمل نصيبه من التكاليف فليأخذ نصيبه من الأرباح، أما أن يتحمل الغرم ولا يحصل على الغنم فهو مناف لمنطق العدل. ثم إن المصرف يفرق بين العملاء بحسب مستوى الرصيد. فإذا انخفض عن الحد خصم من الحساب، وإذا زاد أعفي من الخصم. فإن كانت الرسوم بحق فلماذا يعفى منها الرصيد الأعلى؟ السبب واضح وهو مقابل القرض. فالمبلغ الزائد عن الحد قرضٌ حصل مقابله العميل على إعفاء من رسوم الرصيد الأقل من الحد، فهو قرضٌ جرّ نفعاً، وهو فائدة من المصرف للعميل. كما أن اشتراط الحسم مقابل تكلفة الخدمات المصرفية يجعل المعاملة من باب سلف وبيع. فهو سلف من جهة العميل للمصرف وبيع من جهة المصرف للعميل. وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي عن سلف وبيع، وهو عام في كل سلف وبيع اجتمعا على وجه الاشتراط وكان السلف هو المقصود. وهذا هو الحاصل هنا، فإن الحساب الجاري هو الأصل في العلاقة بين العميل والمصرف، والهدف من الرسوم هو أن يودع العميل مبالغ إضافية لتغطي أرباحُها التكاليفَ التي يتحملها المصرف. فالسلف هو المقصود ابتداء وانتهاء، فتكون معاملة منهياً عنها بالنص. إذا كان المصرف فعلاً يرغب في تغطية تكلفة الخدمات الإضافية للعملاء، فيجب أن يسعّر هذه الخدمات ويطبق رسومها على الجميع. فمن يستفيد من الخدمة يدفع مقابلها، ومن لا يستفيد لا يدفع، وهذا هو منطق العدل. وبهذا لا تكون الخدمة مشروطة في السلف لأن العميل من حقه ألا يستخدم هذه الخدمات ولا يخصم منه شئ. وتطبيق الرسوم على الجميع سيجعل التكلفة للحساب الواحد منخفضة جداً، وبذلك تتحقق مصلحة الجميع . ويجب أن يراعى في ذلك أن الخدمات الأساسية للوفاء بالقرض لا تدخل في التكاليف، مثل بطاقة الصراف ودفاتر الشيكات. فهذه الخدمات كما أنها لا تعتبر منفعة من المصرف للعميل مقابل القرض، وإنما هي وسيلة أساسية للوفاء به، فينبغي كذلك ألا تعتبر تكلفة يتحملها العميل أيضاً، سواء بسواء. *** مؤسسة النقد تستحق الشكر على هذا التعميم الذي يوافق حكمة الشريعة الإسلامية، ويمثل ترجمة عملية لمبدأ المسؤولية الاجتماعية. وليست هذه المرة الأولى التي تبادر فيها المؤسسة بذلك، بل سبق أن أصدرت تنظيم قروض الأفراد في أواخر 2005م، بعد أن بلغت مديونية الأفراد حداً لا يمكن الاستمرار فيه، ونتوقع منها المزيد. والمنتظر من المصارف الإسلامية أن تكون سباقة في هذه المجالات، وأن تقدم للمجتمع وللعالم الصورة النموذجية للتمويل الإسلامي الذي يحقق التوازن بين الحقوق الخاصة والعامة، وبين الربحية والمسؤولية الاجتماعية. والحمد لله رب العالمين. المقالات بحوث الكتب الفتاوى الإستشارات bohooth_various الصوتيات مرئيات

19 أكتوبر المزيد

مديرهم يمنحهم ساعات إضافية من غير ضرورة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. يقول الله تعالى: (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ)[النساء: 58]. ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: "مَا مِن عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللهَ رَعِيَّةً يَمُوتُ يومَ يَمًوتُ وهو غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ إلاَّ حرَّم اللهُ عَلَيهِ الجنةَ". متفق عليه: البخاري (7151) ومسلم (142) . وقال أيضًا: "كُلُّكُم رَاعٍ، وكلُّكم مَسْؤولٌ عَن رَعِيَّتِهِ". أخرجه البخاري (893) ومسلم (1829). وهذا يشمل الموظف والمدير أو الرئيس، فكل منهما راع فيما هو مكلف به من أموال الشركة، وهو مسؤول عن ذلك يوم القيامة. فمن أساء في عمله أو احتال ليأخذ مال الشركة بغير حق فقد خان الأمانة التي في عنقه، وغش لصاحب العمل، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "مَن غَشَّ فَلَيْسَ مِنَّا". أخرجه مسلم (102) والترمذي (1315). فالتحايل على الشركة باحتساب ساعات إضافية خارج الدوام دون وجود حاجة أو مبرر لها، مع التقصير في العمل في أثناء الدوام، يجمع بين سيئتين: التقصير والتعدي. فهو تقصير في وقت العمل الرسمي، وتعد بأخذ عوض عن وقت إضافي لا يستحقه. فالواجب على المسلم أن يتقي الله، وأن يحرص على أن يكون مطعمه حلالاً ومشربه حلالاً ومصدر دخله حلالاً، فالمال الحرام لا يبارك الله فيه ولا يهنأ صاحبه به، وفوق ذلك فإنه يحرم صاحبه إجابة الدعوة، كما في صحيح مسـلم (1015)، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه ذَكَرَ الرَّجُلَ "يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ يَا رَبِّ. وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ وَغُذِّيَ بِالْحَرَامِ فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟". وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه، وجنَّبنا ما يغضبه ويسخطه، وهو الهادي إلى سواء السبيل.

19 أكتوبر المزيد

قلب الدَّيْن

الحمد لله والصلاة والسلام على سول الله، وبعد. هذه المعاملة تتضمن قلب الدين الممنوع شرعاً، بمعنى أن المعاملة تنتهي إلى دين أكبر لمدة أطول. وبيان ذلك أن الدين المتبقي (بعد الخصم) كان ثمانين ألفاً واجبة السداد على مدى ثلاث سنوات. وبعد التمويل الإضافي أصبح الدين مائة وأربعين ألفاً زائداً هامش الربح لمدة التمويل، ولنقل إنه بمجمله يصل إلى مائة وثمانين ألفاً، مقابل نقد بيدك قدره ستون ألفاً. فيكون صافي المديونية هو 180 - 60 = 120 ألفاً. أي أن صافي المديونية الآن أصبح مائة وعشرين ألفا لمدة خمس سنوات، بعد أن كان ثمانين ألفاً لمدة ثلاث سنوات. فالمحصلة هي زيادة الدين مقابل تأخير المدة، وهذا هو ربا الجاهلية: أنظرني أزدك. فالواجب تجنب هذه الحيل المشبوهة التي تغرق المرء في الديون، وتجعله أسيراً لها لا يمكنه الفكاك منها. والشرع لا يحرم الشيء إلا لما فيه من الضرر والمفسدة الغالبة. فارتكاب هذه المعاملة وأشباهها ضرر في الدين والدنيا، رزقنا الله وإياكم السلامة والتوفيق في الدنيا والآخرة.

19 أكتوبر المزيد

شواهد اليقين في استدلال الخليل على رب العالمين

قصة الخليل - صلي الله عليه وسلم- مع الكواكب التي وردت في سورة الأنعام: قصة ذات شجون. ما حقيقة موقف الخليل - عليه السلام- في تلك الليلة التي قص علينا القرآن؟ هل كان "ناظراً "، يبحث عن إلهه الحق، ويستدل عليه بالتفكر في آياته؟ أو كان عارفاً بالله تعالى لكنه " يناظر " قومه، يقيم الحجة عليهم من خلال الحوار والتنزل في العبارة ونحو ذلك؟ إذا رجعنا إلى قواعد أهل السنة والجماعة في التفسير، من التمسك بنصوص الوحي دون تأويل أو تحميل للنصوص ما لا تحتمله، فالنصوص واضحة في أن القصة كانت عن الخليل -عليه السلام-: (وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض ...)(فلما جنّ عليه الليل رأى كوكباً) (لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين). فالسياق عن الخليل لا عن مناظرة بينه وبين قومه. وإذا رجعنا لتفسير الصحابة والتابعين، وجدناهم متفقين على أنه عليه السلام كان ناظراً. وإذا رجعنا لأئمة السلف: كابن جرير، وابن خزيمة، والخطابي، وجدناهم كذلك. لكن إذا رجعنا إلى عامة كتب التفسير، لأهل السنة وغيرهم، من بعد القرن الثالث الهجري، نجدها ترجح القول بالمناظرة، وبعضها لا يذكر القول بالنظر إلا على سبيل الاستنكار. وسبب ذلك: القول إن الأنبياء لا يجوز عليهم ما صدر عن الخليل من قوله للكوكب: {هذا ربي}، حتى قبل البعثة، حتى لو كان ذلك في مقام الاستدلال والبحث عن الحقيقة. وبعضهم يحكي ذلك إجماعاً. وحقيقة الأمر أن هذا الإجماع لا وجود له، حتى بين الأشاعرة الذين بالغوا أكثر من غيرهم في هذا الجانب. كما أن أصول أهل السنة والجماعة -كما يقررها شيخ الإسلام ابن تيمية- لا تستوجب ما ذكروه، بل تنافيه. فأصول أهل السنة وسلف الأمة لا تتفق مع هذا التفسير الذي ساد وانتشر حتى يظن الباحث أنه لا وجود للقول الآخر، إلا في مقام الإنكار، مع أنه هو ظاهر الآيات وهو الثابت عن أئمة السلف رضي الله عنهم. لكن شجون القصة لا تقف عند هذا الحد!! فما وجه الاستدلال الصحيح بأُفُول الكوكب على بطلان ربوبيته؟ فنحن نعلم أن هناك استدلالات باطلة للفلاسفة والمتكلمين بالأفول على بطلان الربوبية، ونعلم الرد عليها. لكن، بحسب البحث في المصادر المتاحة، لا نعثر على تحديد وجه استلزام الأفول للنقص والعجز المنافي للربوبية، حتى إن العلامة ابن الوزير اختار التوقف في هذا الموضوع: "لأنه ليس مما نطق به القرآن ولا مما نعلمه". هذه القضايا، وكثير من المسائل المتفرعة عنها والمتصلة بها، هي محل البحث في هذه الورقات. لقد انطلق البحث من قناعة راسخة أن ما تميز به أهل السنة والجماعة ليس مجموعة من المسائل التي قررها أئمة السلف فحسب، ونرددها نحن اليوم. إنه - بالإضافة إلى ذلك- منهج: منهج في دراسة نصوص الكتاب والسنة، منهج في التحليل والتفكير، ومنهج في النقد والترجيح. وكانت قصة الخليل - عليه السلام - مثالاً نموذجياً لتطبيق هذا المنهج، لتكون النتائج مؤكدة لما قرره السلف والأئمة، خلافاً لما توارد عليه أكثر المتأخرين، حتى من بعض أهل السنة. كما كانت النتائج متفقة مع منهج القرآن نفسه في تقرير التوحيد وإبطال ربوبية الأصنام، ومنهجه في الدعوة إلى التدبر والتفكر في آيات الله. وبعد ذلك كله فالنتائج تؤكد براءة الخليل -عليه السلام- من الشرك ومن المشركين، ويقينه بتوحيد خالقه وبارئه -سبحانه وتعالى- ولولا هذا اليقين لما وجدت أحداث القصة ابتداء. والمقام لا يتسع لتفصيل أكثر حول الموضوع، فالبحث متاح في الملف المرفق لمن يرغب الاطلاع عليه. Images/FCKFiles/file/Prophet%20Ibrahim_corrected.pdf

9 مارس المزيد
عرض الكل